17 أبريل، 2008

لا أعرف بأي دمع ابكيك عمي محمود


لا اعرف بأي دمع أبكيك عمي محمود ، أبدمع الفراق وحرقته ، أم بدمع المعاتب علي فراقك ، أم بدمع المحب لراحتك من الالم المرض ، ام بدمح الحنين الي كلمتاتك البساط وجلساتك المرحة ، وروحك الطاهرة ، ام ابكيك بدموع مقهورة علي ما اصابك من الالم لا يتحملها الا من احبه الله
رحماك الله عمي الغالي
ولن اطلب الرحمة لم قتلك ، اعلم ان الاعمار بيد الله وان كل نفس ذائقة الموت ، واننا في هذا الدنيا عابري سبيل ، نسال الله ان يرزقنا خيرها ويكفنا شرها
نعم عمي محمود قتله الإهمال ومن قبله القهر علي ابنه الذي يلقي به النظام الجائر خلف القضبان شهور وشهور فياتي اليه مهرولا من مدينة الاسكندرية ليتابع احواله تارة خلال التحقيقات امام نيابة امن الدولة والتي تكرر كل اسبوعين وتارة لزيارة في المعتقل والاطمئنان عليه
رحلة من العذاب قضاها عمي محمود علي مدار الثلاثة سنوات الماضية وكأنه قطع كارنيه اشتراك مع مرزعة طرة

لم يرحم معتقلي ابنه – ال67 عاما التي يحملها عم محمود من العمر ، كما لم يحرم ما ابتلي جسده من امراض نتيجة المياه الملوثة والمنتجات الزراعية الس ، فعم محمود كمئات المصريين مثاب بفيرس س الناشط ، وكذلك الكلي ،وضغط الدم المرتفع –كل ذلك لم يشفع لابنه ان يترك من اجله
امام بوابة نيابة امن الدولة بمصر الجديدة كان يقف حائر يبحث عن اللحظة المناسبة لي فيه ابنه قبل التحقيق معه ، متوسلا الي الله في كل مرة أن يحصل علي براءة
وكان دائما ما يدور بيننا الأحاديث في كل شئ ، ورغم كم الهموم التي يحملها بصدره وتعكسها ملامح وجهه إلا أن يحاول التخفيف عينا من وطئه ما نري
تلك الابتسامة الشاحبة دفعتني مرات لسؤاله عن شعوره في تلك اللحظات الصعيبة ، فابنه الاكبر خلف القضبان والاخر خارج البلاد
فياتي رده قويا انا فخور بعبد المنعم .. ابني مش بيعمل حاجة غلط ، ولو كان سرق لو نهب ولا باع مخدرات كنت قتلته ، لكن ابني بحب بلده ، ولكل حبا ثمن "
نعم لكل حب ثمن حكمة لخصتها كلمة عمي التي رددها علي مسامعي كثير ،ولم ادرك معانها إلا الآن – فهو الذي دفع الثمن الحب

في احدي المرات التي اعتاد الذهاب فيها إلي طره غالبته حالته الصحية فسقط مغشي عليه داخل السجن ، ولم يقوي ابنه علي حمله ، ومن سيعد عم محمود إلي بيته ، ومن يداويه وينقله للمستشفي – خرج عم محمود محمولا هذه المرة
ومن هنا بدء العد التنازلي !!!
وعندما سألته عن سر تعبه بشدة قالي يا بنتي أنا مقهور شباب زي الفل في المعتقل ، وانفعل بشدة وكانت المرة الأولي التي أري فيها هذه الثورة من هذا الجسد النحيل الذي هزمه المرض ولم يهزمه الإيمان

وبعد مرور 5 شهور علي خروج الابن من المعتقل القي القبض عليه مرة أخري ولكن هذه المرة وعمي محمود طريح الفراش في امس الحاجة إلي يد ابنه ، خطف من بين أحضانه ، فبات القهر المصارع الأخر لجسد عم محمود إلي جانب المرض
لم تشفع توسلات الابن أن يفرج عنه خاصة وانه كعادة المعتقلين ليس عليه تهمة ولم يرتكبوا جريمة سوي المطالبة بحرية هذا الوطن

ومررت الأيام والقهر والظلم يتصارعان مع الألم داخل جسد عم محمود ، الذي مازال يقاوم رغم الوهن
ومع أوائل مارس هذا العام خرج عم محمود من منزله متوجها إلي احدي مستشفيات التامين الصحي بالإسكندرية فهو يشعر بارتفاع طفيف بضغط الدم ، إلا أن طبيبة الاستقبال طالبت بحجزه داخل المستشفي ، واستسلام عم محمود لطالبها علي أمل الخروج بعد يومين
هكذا خاطبني مازحا خلال اتصالي به قائلا متقلقيش كلها يومين وهخرج علي طول ، وبعد اليومين يخفض صوت عم محمود لذهب إلي عالم أخر ، عم محمود أصيب بنزيف بالمخ !!!
كيف ذلك سؤال يريده كل من يعرفه علي مسامع أطباء المستشفي دون جدوى من الإجابة
فارتفاع ضغط الدم استمر لان أطباء المستشفي كانوا في إجازة المولد النبوي وخميس وجمعة وشوية إجازات كدا وكان الله بالمرضي رحيم
ورغم تأخر الحالة أن أنه لم يوجد طبيب يأمر بالفور لنقله إلي قسم العناية المركزية ليبقي عم محمود طريح الفراش يصارع الموت وحيدا
ولأننا في بلد الصوت العالي وبلد اللي يخاف ميختشيش نجح صوت أبناءه العالي في أن يأتي طبيب .ليؤكد بنظرته الفاحصة أن الحالة تحتاج دخول العناية المركزة منذ 28 ساعة ..
ويدخل العناية لقضي بها أيام ، ومازال الرغبة بالمقاومة بداخله حتى استعاد وعيه ، لينقل بعدها إلي مستشفي أخري
وهناك تبدأ مأساة جديدة بطلها الإهمال ، فبعد يوم واحد من تحسن حالة عم محمود يسقط من سرير غرفة العناية المركزة لدخل في غيبوبة لم يستطع الأطباء رغم التدخل الجراحي أن بخروجه منها ، ولم يخرج منها عمي محمود إلا إلي الرفيق الاعلي
رحمك الله عمي الغالي ، ولن اطلب الرحمة لم ألمك يوميا



1 التعليقات:

غير معرف يقول...

رحمه الله يا إيمان في عليائه، ورحم ابنه في هذا الوطن الصعب، ورحمك من كل ما يؤلمك.